الجاحظ
72
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )
الراجحة على سيئاته ، مع النّدم على السّيئات ، كان على سبيل النجاة ، وطريق الفوز بالإفلاح . ومن مالت سيئاته بحسناته كان العطب والعذاب أولى به . وكذلك حكمه في الدنيا ، لأنّه قد تولّى أولياء من خلقه وشهد لهم بالعدالة ، وقد عاتبهم في بعض الأمور لغلبة الصّلاح [ في أفعالهم وإن هفوا ، وتبرّأ من آخرين وعاداهم لغلبة الجور ] على أفاعيلهم ، وإن أحسنوا في بعض الأمور . وكذلك جرت معاملات الخلق بينهم ، يعدّلون العادل بالغالب من فعله وربّما أساء ، ويفسّقون الفاسق وربّما أحسن . وإنما الأمور بعواقبها ، وإنّما يقضى على كلّ امر بما شاكل أحواله . فهذه الأمور قائمة في العقول ، جرت عليها المعاملة ، واستقامت بها السياسة ، لا اختلاف بين الأمّة فيها . فلا تغبننّ حظّك من دينك ، وإن استطعت أن تبلغ من الطّاعة غاياتها فلنفسك تمهّد ، وإلّا فاجهد أن يكون أغلب أفعالك عليك الطّاعة ، مع الندامة عند الإساءة ويكون ميلك عند الإساءة ، إلى اللّه أكثر . واللّه يوفّقك . [ 4 - طبع الناس على حب المنفعة ودفع الضرر ] اعلم أنّ اللّه جلّ ثناؤه خلق خلقه ، ثمّ طبعهم على حبّ اجترار المنافع ، ودفع المضارّ ، وبغض ما كان بخلاف ذلك . هذا فيهم طبع مركّب ، وجبلّة مفطورة ، لا خلاف بين الخلق فيه ، موجود في الإنس والحيوان ، لم يدّع غيره مدّع من الأوّلين والآخرين . وبقدر زيادة ذلك ونقصانه تزيد المحبّة والبغضاء ، [ فنقصانه ] كزيادته تميل الطّبيعة معهما كميل كفّتي الميزان ، قلّ ذلك أو كثر . وهاتان جملتان داخل فيهما جميع محابّ العباد ومكارههم . والنّفس في طبعها حبّ الرّاحة والدّعة ، والازدياد والعلوّ ، والعزّ والغلبة ، والاستطراف والتّنوق